مجمع البحوث الاسلامية
107
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نظائره من الاعتباريّات كالخضوع والإعظام والإهانة والبيع والشّرى ، ونحو ذلك . 3 - من الممكن أن يحلّل الكلام من جهة غرضه ، وهو الكشف عن المعاني المكنونة في الضّمير ، فيعود بذلك أمرا حقيقيّا بعد ما كان اعتباريّا . وهذا أمر جار في جلّ الاعتباريّات أو كلّها ، وقد استعمله القرآن في معان كثيرة كالسّجود والقنوت والطّوع والكره والملك والعرش والكرسيّ والكتاب ، وغير ذلك . فحقيقة الكلام هو ما يكشف به عن مكنونات الضّمير ، فكلّ معلول كلام لعلّته ، لكشفه بوجوده عن كما لها المكنون في ذاتها ، وأدقّ من ذلك أنّ صفات الشّيء الذّاتيّة كلام له يكشف به عن مكنون ذاته ، وهذا هو الّذي يذكر الفلاسفة أنّ صفاته تعالى الذّاتيّة كالعلم والقدرة والحياة كلام له تعالى ، وأيضا العالم كلامه تعالى . وبيّن أنّ الكلام بناء على هذا التّحليل في قدمه وحدوثة تابع لسنخ وجوده ، فالعلم الإلهيّ كلام قديم بقدم الذّات ، وزيد الحادث بما هو آية تكشف عن ربّه كلام له حادث ، والوحي النّازل على النّبيّ بما أنّه تفهيم إلهيّ حادث بحدوث التّفهيم ، وبما أنّه في علم اللّه - واعتبر علمه كلاما له - قديم بقدم الذّات ، كعلمه تعالى بجميع الأشياء من حادث وقديم . 4 - تحصّل من الفصول السّابقة أنّ القرآن الكريم إن أريد به هذه الآيات الّتي نتلوها ، بما أنّها كلام دالّ على معان ذهنيّة نظير سائر الكلام ليس بحسب الحقيقة لا حادثا ولا قديما . نعم هو متّصف بالحدوث بحدوث الأصوات الّتي هي معنونة بعنوان الكلام والقرآن . وإن أريد به ما في علم اللّه من معانيها الحقّة ، كان كعلمه تعالى بكلّ شيء حقّ قديما بقدمه ، فالقرآن قديم أي علمه تعالى به قديم ، كما أنّ زيدا الحادث قديم ، أي علمه تعالى به . ومن هنا يظهر أنّ البحث عن قدم القرآن وحدوثه بما أنّه كلام اللّه ممّا لا جدوى فيه ، فإنّ القائل بالقدم إن أراد به أنّ المقروء من الآيات بما أنّها أصوات مؤلّفة دالّة على معانيها قديم غير مسبوق بعدم فهو مكابر ، وإن أراد به أنّه في علمه تعالى ، وبعبارة أخرى علمه تعالى بكتابه قديم ، فلا موجب لإضافة علمه إليه ثمّ الحكم بقدمه ، بل علمه بكلّ شيء قديم بقدم ذاته ، لكون المراد بهذا العلم هو العلم الذّاتيّ . على أنّه لا موجب حينئذ لعدّ الكلام صفة ثبوتيّة ذاتيّة أخرى له تعالى وراء العلم لرجوعه إليه ، ولو صحّ لنا عدّ كلّ ما ينطبق بحسب التّحليل على بعض صفاته الحقيقيّة الثّبوتيّة صفة ثبوتيّة له ، لم ينحصر عدد الصّفات الثّبوتيّة بحاصر لجواز مثل هذا التّحليل ، في مثل الظّهور والبطون والعظمة والبهاء والنّور والجمال والكمال والتّمام والبساطة ، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى . والّذي اعتبره الشّرع وورد من هذا اللّفظ في القرآن الكريم ظاهر في المعنى الأوّل المذكور ممّا لا تحليل فيه ، كقوله تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ البقرة : 253 ، وقوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً النّساء : 164 ، وقوله : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ البقرة : 75 ، وقوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ المائدة : 13 ، إلى غير